أحمد مصطفى المراغي
37
تفسير المراغي
وخلاصة ذلك - أن من قدر على خلق الذوات والصفات والآثار من العدم ، أجدر به أن يكون قادرا على تبديل الصفات ، فيعيد إليه وإلى زوجه القوة وسائر الوسائل التي بها يمكن أن ينشأ منهما الولد كما قال « فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ » . ثم أخبر سبحانه أن زكريا تاقت نفسه إلى سرعة وجود المبشّر به ، ليطمئن قلبه بما وعد به كما قال إبراهيم من قبله « رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ ؟ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي » فقال حاكيا عنه : ( قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ) أي قال رب اجعل لي علامة تدلني على تحقق المسؤول في زمن معين ، إذ كانت البشارة غير مقيدة بوقت ، والحمل خفى في مبدئه ولا سيما ممن انقطع حيضها لكبرها - إلى أنه أراد أن يطلعه على ذلك ليتلقى تلك النعمة الجليلة بالشكر حين حدوثها . ثم بين أنه أجابه إلى ما طلب فقال : ( قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا ) أي علامتك على وجود المبشر به وحصول الحمل ، ألا تقدر على تكليم الناس بكلامهم المعروف في محاوراتهم وثلاث ليال وأنت صحيح ، سوىّ الخلق ، سليم الجوارح ، ليس بك علة ولا مرض ؟ . وجاء في سورة آل عمران « قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً » . ( فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ ) أي فخرج غبّ إعلام اللّه له بهذه الآية على قومه من المحراب ( وهو المسمى عند أهل الكتاب بالمذبح ؛ وهو مقصورة في مقدّم المعبد لها باب يصعد إليه بسلم ذي درج قليلة يكون من فيه محجوبا عمن في المعبد ) ممتقع اللون منطلق اللسان بذكر اللّه منحبسه عن كلام الناس ( وقد كانوا ينتظرون أن يفتح لهم الباب ، إذ كان من عادتهم أن يصلوا معه صلاتي الغداة والعشى في محرابه ) فقالوا ما لك يا نبي اللّه ؟ .